الصالحي الشامي

249

سبل الهدى والرشاد

وقال المازري : إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره بذلك ، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب ، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم بل على الاختيار ، فاختلف اجتهادهم وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك عن غير قصد جازم [ وعزمه - صلى الله عليه وسلم - كان إما بالوحي وإما بالاجتهاد ، وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد أيضا ] . وقال النووي : اتفق العلماء على أن قول عم ( حسبنا كتاب الله ) من قوة فقهه ودقيق نظره ، لأنه خشي أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد من العلماء ، وفي تركه - صلى الله عليه وسلم - الإنكار على عمر الإشارة إلى تصويبه وأشار بقوله : ( حسبنا كتاب الله ) إلى قوله تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) [ الأنعام : 38 ] ولا يعارض ذلك قول ابن عباس : أن الرزية . . . الخ ، لأن عمر كان أفقه منه قطعا ، ولا يقال : إن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن وأعلم الناس بتفسيره ولكنه أسف على ما فاته من البيان وبالتنصيص عليه لكونه أولى من الاستنباط والله تعالى أعلم . الثاني : في بيان غريب ما سبق : قولهم : ( أهجر ) بإثبات همز الاستفهام وفتح الهاء والجيم ، قالوا : ولبعضهم هجرا بضم الهاء وسكون الجيم والتنوين أي قال هجرا والهجر بضم الهاء وسكون الجيم ، وهذا الهذيان الذي يقع من كلام المريض ، الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته ووقوع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقه مستحيل . وإنما هذا على طريق الاستفهام الذي معناه الإنكار والإبطال - أي أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يهجر أي : لم يحتلفوا في الأخذ عنه ولم ينكروا عليه الكتاب ، وهو لا يهجر أصلا . الرزيئة براء مفتوحة فزاي مكسورة فياء فهمز المصيبة . اللغط : بغين معجمة فطاء مهملة محركا الصوت أو الجلبة ، أو أصوت مبهمة لا تفهم .